وصية لطلاب العلم في السودان


بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله " يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون" " يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق من زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيباً " " يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما "

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، و كل محدثة بدعة، و كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

اعلموا أيها الأخوة أن الله أمر بالاجتماع و ذمّ الاختلاف و التنازع الذي يؤدي إلى تفرق القلوب قال سبحانه: " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات " آل عمران: ١٠٥.

و قال تعالى: " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شئ إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون " الأنعام: ١٥٩.

وقال تعالى: " وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " الأنفال: ٤٦.

وقال تعالى: " و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك " هود: ١١٨ – ١١٩.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " [ البخاري 6/ 2658 ].

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، و كثرة السؤال، واضاعة المال ". [ صحيح مسلم 3/1340 ].

فتضمنت هذه الآيات والأحاديث مسائل:

الأولى: ذم الاختلاف المؤدي إلى التفرق والنهي عنه.

الثانية: ثبوت الوعيد لأهل الاختلاف المفرق للجماعة.

الثالثة: إثبات أن الحق يجمع ولا يفرق.

الرابعة: الخلاف سبب للضعف والفشل.

الخامسة: الخلاف والنزاع سبب للهلاك.

السادسة: أن الاجتماع أحد آثار رحمة الله للعباد.

فعلم بذلك ما يترتب على الاختلاف و التنازع من الآثار الوخيمة والعواقب الجسيمة – فالواجب علينا معاشر الإخوة جميعاً السعي في أسباب الاجتماع والألفة والحذر من أسباب الاختلاف والفرقة – فإن الاجتماع رحمة والفرقة عذاب.

أسباب المخرج من فتنة الاختلاف :

1/ الاشتغال بالعلم النافع الذي لا تكون الدعوة إلى الله إلا على أساسه قال تعالى: " قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني " يوسف: ١٠٨.

وقال تعالى " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق " التوبة: ٣٣.

فلا تكون الدعوة إلا بعلم والعلم قبل العمل و الدعوة.

ولا يتحقق ذلك إلا بمزاحمة العلماء والمشايخ بالركب وحضور مجالسهم والأخذ من سمتهم وأخلاقهم وأدبهم.

2/لزوم مشايخ السنة في هذه البلاد وخارجها والرجوع إليهم والصدور عن آرائهم وحسن الظن بهم والثناء عليهم وعدم الوقيعة فيهم فإن ذلك من أعظم أسباب اجتماع الكلمة.

3/ ترك الحكم على الدعاة الذين بدرت منهم أخطاء في مسائل تتعلق بالعقيدة أو المنهج للمشايخ الكبار حتى يقوموا بالحكم المناسب الذي تقتضيه الأصول الشرعية والقواعد المرعية نصحاً لله ولشرعه ودينه فالذين يعرفون الخطأ من الصواب – ولله الحمد – كثيرون، ولكن قلة قليلة منهم الذين يعرفون كيفية معالجة تلك الأخطاء وتقويمها بالحسنى، وبالتي هي أحسن وأقوم.

و الردود العلمية لا تخرج عن كونها نصيحة لذلك المخطئ – المراد نصحه – ورجوعه إلى الحق و تبيين الصواب للناس الذين قد يلتبس عليهم الحق، وهي أيضاً لا تخرج عن آداب الدعوة إلى الله تعالى، و قد أمر الله تعالى أن ندعو إلى سبيله سبحانه بالحكمة والموعظة الحسنة، و أن تكون المجادلة بالتي هي أحسن فقال عز من قائل: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين " النحل: ١٢٥.

و حتى في جدالنا مع أهل الكتاب أمر سبحانه بالمجادلة معهم بالتي هي أحسن ابتداءاً، فقال: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل " العنكبوت: ٤٦. و قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله رفيق، يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه ". [ مسلم 4/2003].

إذاً فالرفق هو الأصل في الشرع، في الأمور كلها: دقيقها وجليلها، إلا ما كانت تقتضي فيه الحكمة من أمور الشدة، وهي نادرة. تستخدم في نطاق معين، و حالات خاصة استثنائية من الأصل، لا أن تقلب الأمور وتختل الموازين، فتكون الشدة هي الأصل، والرفق هو المستثنى، فمن خالف ولم يراع الحكمة والمصلحة الشرعية في ذلك فقد غلط، و خالف السنة، فليُنَتبه لذلك، فإن عليه مدار صلاح الأمور وفسادها بمشيئة الله.

و المناقشة على مراتب:

1/ الحكمة.

2/ بالموعظة الحسنة.

3/ و المجادلة بالتي هي أحسن: قال تعالى: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين " النحل: ١٢٥.

ولما للردود العلمية الهادفة من الفوائد .. لذا فقد اهتم السلف الصالح رحمهم الله في أمر الردود أيما اهتمام، فكان مما تميزوا به بالإضافة لتمسكهم بالحق والعقيدة السلفية الأصيلة هو الدفاع عنها، وذلك بالرد على من يخالف نهجها و طريقتها وفق آداب و ضوابط واضحة، من حيث بيان المسائل التي يجب فيها الرد، وهل كل أحد من المخالفين يرد عليه علناً ؟ أم يفرق بين من هو رأس وإمام يقتدى به، فيما أخطأ، أو أن يكون مثلاً من الداعية إلى ذلك الخطأ علانية، فيرد عليه علناً، أم أنه شخص مغمور فينصح شخصياً حتى لا يشتهر أمره وما أخطأ فيه، وما البينات التي تثبت بها أخطاء المخالفين ؟ هل من أدلة ظاهرة، وحجة واضحة، معتبرة شرعاً وعقلاً ؟ أم أنه القيل و القال، وهل كل واحد أهل لأن يرد على المخالف، و متى يحكم على المعين من أهل السنة بأنه مبتدع، أو أنه خرج عن السلفية ؟!

كل هذه المسائل وغيرها من الأسئلة الكثيرة في هذا الباب محكومة بضوابط مؤصلة عن علماء الإسلام رحمهم الله، من أهمها إظهار الحق والدعوة إليه مع مراعاة التآلف بين المسلمين عموماً وبين العلماء وطلبة العلم والدعاة خصوصاً، ومراعاة درء المفاسد وجلب المصالح المعتبرة شرعاً في حال الرد، وأن يكون ذلك بالعلم والعدل والانصاف، والتجرد من حظوظ النفس، ومراعاة الإخلاص لله وطلب مرضاته عند القيام بهذا العمل الجليل، لا أن يكون المراد هو التشفي و الحسد والرغبة في إسقاط الآخرين، قال تعالى: " ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون " المائدة: ٨. ، وقال تعالى: " وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى " الأنعام: ١٥٢.

وقد يتكلم من ليس عنده علم من صغار الطلبة في مسألة وهو لا يحسنها فيتعجل من داعي الحرص والغيرة فيفسد أكثر مما يصلح، فإني أنصح أنه من يرغب في الرد على بعض المخطئين أن يرجع إلى العلماء فيعرض عليهم ويسترشد بأقوالهم ويكون هذا ديدنه ونهجه عند كل نازلة، كما قال تعالى: " وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان إلا قليلا " النساء: ٨٣.

كما لا يفوتني أن أنصح طلاب العلم والدعاة بالإشتغال بالدعوة إلى الله و التعاون على البر والتقوى و التراحم والتآلف والاجتماع على نشر العلم والدعوة إلى هذا الدين في المساجد والمؤسسات التعليمية من الجامعات والمعاهد العلمية وإقامة القوافل الدعوية وبعثها إلى شتى مدن السودان وتحذير الناس من خطر الرافضة والصوفية والمذاهب الهدامة كالعلمانية والشيوعية كل ذلك بعلم وبصيرة وحكمة.

وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على نبيه محمد وآله وصحبه.

قاله بفمه ورقمه بقلمه/

عبد الرحمن بن حامد آل نابت

في 15 جمادى الأولى 1434هـ.

 



كاتب المقالة : فضيلة الشيخ عبد الرحمن حامد آل نابت
تاريخ النشر : 31/03/2013
من موقع : الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ عبد الرحمن حامد آل نابت
رابط الموقع : http://www.aalnabit.com
Print MicrosoftInternetExplorer4